ابن عربي
71
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
هذا الوجه فلهذا سألهما أن يذكرا له هؤلاء الأشخاص من المحبين ليجمع بين حال المحبة وعلم حقائق هؤلاء المذكورين لأنهم كانوا محبين . ثم قال : [ وصفه للمعارف الذاتية ] طال شوقي لطفلة ذات نثر * ونظام ، ومنبر ، وبيان من بنات الملوك من دار فرس * من أجلّ البلاد من أصبهان « 1 » وصف هذه المعرفة الذاتية بأنها ذات نثر ونظام ، وهما عبارتان عن المقيد والمطلق ، فمن حيث الذات وجود مطلق ، ومن حيث الملك مقيد بالملك ، فافهم ما أشرنا إليه في هذا ، فإنه عزيز ما رأينا أحدا نبه عليه قبلنا في كتاب من كتب المعرفة باللّه تعالى . وأما قوله : ومنبر ، يعني درجات الأسماء الحسنى ، والرقي فيها التخلق بها فهي منبر الكون ، والبيان عبارة عن مقام الرسالة لغزنا هذه المعارف كلها خلف حجاب النظم بنت شيخنا العذراء البتول شيخة الحرمين وهي من العالمات المذكورات . وقوله : من بنات الملوك لزهادتها ، فالزهاد ملوك الأرض ، فستر ما يريده من المعارف بذكر دارها وأصلها ، يشير من بنات الملوك يعني أنّ هذه المعرفة لها وجه بالتقييد ، فإنّ الملوك من باب الإضافة . وقوله : من دار فرس ، يقول : وإن كانت عربية من حيث البيان فهي فارسية عجماء من حيث الأصل لأنه لا يتمكن في الأصل بيان عزته وتعلق العلم به فذكر أصبهان لأنه بلدها من الأصالة فينسب من الحكم إليها على قدر ما يعرف من خصائصها كل عارف فهو يرجع للعارفين بها فقال : هي بنت العراق ، بنت إمامي * وأنا ضدّها ، سليل يماني يقول : العراق أصل الشيء ، أي هذه المعرفة عن أصل شريف له التقدم بما ذكر من الإمامة ، وأنا يمان من حيث الإيمان والحكمة ونفس الرحمن ورقة الأفئدة ، وإنما جعله ضدا لما ينسب إلى العراق من الجفا والشدة والكفر ، فهو ضد ما ينسب إلى اليمن ، لأن ضد العراق إنما هو المغرب لا اليمن وإنما اليمن مقابلة الشام ، فالضد الذي أشار إليه إنما هو ما يناسب الشارع إلى الجهتين ، وهي محبوبة فلها الجفا والبعد والغلظة والقهر وأنا محب فمني النصرة والإيمان والرقة واللطافة استعطافا لرضى المحبوب واستلطافا به ، ولما كانت هذه المعرفة المخصوصة تصطلم العبد عن شهوده وتظهر فيه بضرب من القهر والغلبة فتمحو رسومه وتذهب سائر علومه كانت نسبة العراق إليها أولى من غيرها من الأماكن .
--> ( 1 ) أصبهان : مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها . كانت مدينتها أولا جيّا ثم صارت اليهودية ، وهي من نواحي الجبل في آخر الإقليم الرابع . ( معجم البلدان 1 / 206 ) .